الشيخ محمد هادي معرفة

98

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

نعم أخرج مسلم والبيهقي هذه الرواية من وجه آخر ، ليس فيه « أنزلت عليّ » . قال أغفى النبيّ صلى الله عليه وآله إغفاءة ثمّ رفع رأسه فقرأ : « بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ . . . » الخ ثمّ فسّرها بنهر في الجنّة . قال البيهقي : وهذا اللفظ أولى ، حيث لايتنافى وما عليه أهل التفاسير والمغازي من نزول سورة الكوثر بمكة . « 1 » 2 - نزول جبرائيل كان الملك الذي ينزل على النبيّ صلى الله عليه وآله بالوحي هو جبرائيل عليه السلام فكان يلقيه على مسامعه الشريفة ، فتارة يراه ، إمّا في صورته الأصليّة - وهذا حصل مرّتين - أو في صورة دحية بن خليفة . وأخرى لا يراه ، وإنّما ينزل بالوحي على قلبه صلى الله عليه وآله : « نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ » . « 2 » قال تعالى : « وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى . عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى » : جبرائيل . مثال قدرته تعالى « ذُو مِرَّةٍ » أي ذو عقليّة جبّارة « فَاسْتَوى » استقام على صورته الأصليّة . وهذا هو المرّة الأُولى في بدء الوحي « وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى » : سدّ ما بين الشرق والغرب « ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى » . فجعل يقترب من النبيّ صلى الله عليه وآله « فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى . فَأَوْحى » اللّه بواسطة جبرائيل « إِلى عَبْدِهِ » محمد صلى الله عليه وآله « ما أَوْحى . ما كَذَبَ الْفُؤادُ » : فؤاد محمد صلى الله عليه وآله « ما رَأى » فكان قلبه صلى الله عليه وآله يصدّق بصره فيما يرى أنّه حقّ « أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى . وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى » مرّة ثانية في مرتبة أنزل من الأُولى « عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى . عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى . إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى . ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى » « 3 » فكان الذي يراه حقيقة واقعة ، ليس وهما ولاخيالًا . وقال : « إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ » : جبرائيل « ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ . مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ . وَما صاحِبُكُمْ » : محمد صلى الله عليه وآله « بِمَجْنُونٍ . وَلَقَدْ رَآهُ » : رأى جبرائيل في صورته الأصليّة « بِالْأُفُقِ

--> ( 1 ) - الدرّ المنثور ، ج 6 ، ص 401 . ( 2 ) - الشعراء 193 : 26 - 194 . ( 3 ) - النجم 3 : 53 - 17 .